وهبة الزحيلي

223

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لعدم تصديقه لهما ، ولجحده للربوبية الحقة ، ثم إنه خص موسى بالنداء بعد خطابهما مراعاة لرؤوس الآي ، ولما ظهر له أنه الأصل المتبوع ، وهارون وزيره وأخوه وأراد أن يقول : من هذا الرب الذي بعثك يا موسى وأرسلك ؟ فإني لا أعرفه ، وما علمت لكم من إله غيري . فأجابه موسى : قالَ : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى أي قال موسى : ربنا هو الذي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يليق به ، ويطابق المنفعة المنوطة به ، كاليد للبطش ، والرجل للمشي ، واللسان للنطق ، والعين للنظر ، والأذن للسمع . ثم أرشدهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم ، فانتفعوا بكل شيء فيما خلق له ، إما اختيارا كالإنسان والحيوان ، وإما طبعا كالنبات والجماد ، كقوله تعالى : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى 87 / 3 ] أي قدر قدرا ، وهدى الخلائق إليه ، أي كتب الأعمال والآجال والأرزاق ، ثم مشى الخلائق على ذلك ، لا يحيدون عنه ، ولا يقدر أحد على الخروج منه . والآية لإثبات الصانع بأحوال المخلوقات . قالَ : فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى بعد أن أخبر موسى فرعون بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق ، وقدر فهدى ، شرع يحتج بالقرون الأولى ، قائلا : إذا كان الأمر كذلك ، فما حال وما شأن الأمم الماضية ، لم يعبدوا ربك ، بل عبدوا غيره من الأوثان وغيرها من المخلوقات ؟ فأجاب موسى : قالَ : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ ، لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى قال موسى : إن كل أعمالهم محفوظة عند الله ، مثبتة عنده في اللوح المحفوظ ، يجازي بها ، لا يخطئ في علم شيء من الأشياء ، ولا ينسى ما علمه منها ، فعلم الله محيط بكل